الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

29

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وذكر الجن في جند سليمان عليه السلام تقدم في سورة النمل . و عَذابِ السَّعِيرِ : عذاب النار تشبيه ، أي عذابا كعذاب السعير ، أي كعذاب جهنم ، وأما عذاب جهنم فإنما يكون حقيقة يوم الحساب . [ 13 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 13 ] يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) و يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ جملة مبينة لجملة يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ [ سبأ : 12 ] . و مِنْ مَحارِيبَ بيان ل ما يَشاءُ . والمحاريب : جمع محراب ، وهو الحصن الذي يحارب منه العدوّ والمهاجم للمدينة ، أو لأنه يرمى من شرفاته بالحراب ، ثم أطلق على القصر الحصين . وقد سمّوا قصور غمدان في اليمن محاريب غمدان . وهذا المعنى هو المراد في هذه الآية . ثم أطلق المحراب على الذي يختلى فيه للعبادة فهو بمنزلة المسجد الخاص ، قال تعالى : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ وتقدم في سورة آل عمران [ 39 ] . وكان لداود محراب يجلس فيه للعبادة قال تعالى : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ في سورة ص [ 21 ] . وأما إطلاق المحراب على الموضع من المسجد الذي يقف فيه الإمام الذي يؤمّ الناس ، يجعل مثل كوة غير نافذة واصلة إلى أرض المسجد في حائط القبلة يقف الإمام تحته ، فتسمية ذلك محرابا تسمية حديثة ولم أقف على تعيين الزمن الذي ابتدئ فيه إطلاق اسم المحراب على هذا الموقف . واتخاذ المحاريب في المساجد حدث في المائة الثانية ، والمظنون أنه حدث في أولها في حياة أنس بن مالك لأنه روي عنه أنه تنزه عن الجلوس في المحاريب وكانوا يسمونه الطاق أو الطاقة ، وربما سموه المذبح ، ولم أر أنهم سموه أيامئذ محرابا ، وإنما كانوا يسمون بالمحراب موضع ذبح القربان في الكنيسة ، قال عمر بن أبي ربيعة : دمية عند راهب قسيس * صوروها في مذابح المحراب والمذبح والمحراب مقتبسة من اليهود لما لا يخفى من تفرع النصرانية عن دين اليهودية .